ليست المشكلة في عصرنا الرقمي أن المحتوى كثير، بل أن كثيره لا يريد أن يقول شيئًا بقدر ما يريد أن يسرق ثانيةً إضافية من انتباهنا. هذا في تقديري، هو جوهر ما يُسمى باقتصاد الانتباه؛ أن يتحول الإنسان من قارئ يبحث عن معنى إلى رقم في لوحة قياس، وأن تصبح قيمة المادة بما تحصده من مشاهدات لا بما تتركه من أثر. ومن هنا بدأ الخلل الكبير؛ إذ لم نعد نسأل عن الفائدة بقدر ما نسأل عن الانتشار، ولم يعد النجاح مرتبطًا بما يُقال، بل بقدرة المحتوى على أن يلمع سريعًا قبل أن يختفي سريعًا أيضًا.
منصات التواصل الاجتماعي لم تصنع هذه المشكلة وحدها، لكنها بلا شك أتقنت إدارتها. فهي تكافئ ما يلفت النظر بسرعة، لا ما يستحق البقاء في الذهن. ولهذا ليس مستغربًا أن ينتشر المحتوى الرديء أكثر من المحتوى المفيد، وأن يحصد المكرر والمثير نصيبًا أوفر من الهادئ والمتماسك. الخوارزمية هنا لا تسأل إن كان ما تروجه يضيف معرفة أو يوسع فهمًا؛ هي تسأل فقط: هل أبقى المستخدم أمام الشاشة مدة أطول؟ وحين تكون هذه هي القاعدة، يصبح التنازل عن الجودة مجرد استجابة طبيعية لقانون المنصة.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن الناشر نفسه صار أسيرًا للأرقام. في لحظة ما، تراجع سؤال الرسالة، وتقدم سؤال الوصول. كم متابعًا؟ كم مشاهدة؟ كم إعادة نشر؟ وهكذا تحول بعض النشر من فعل معرفي إلى سباق لاهث مع مؤشرات المشاهدات وأرقام التفاعل. صار العنوان ينتفخ أكثر مما ينبغي، وصارت الفكرة تُختصر أكثر مما تحتمل، وصار الرائج يُعاد تدويره ولو بلا إضافة، فقط لأن السوق يطلبه. المشكلة هنا ليست في الرغبة في الانتشار، فهذا مفهوم، بل في أن الانتشار نفسه بات يُعامل كأنه القيمة الوحيدة المتبقية.
والخسارة الأكبر كما أراها، لا تتمثل في ضياع الوقت فقط، بل في تآكل القيمة المضافة للمحتوى الرقمي. نحن أمام وفرة هائلة في الإنتاج، لكنها وفرة لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى. مواد كثيرة تُستهلك بسرعة وتُنسى بسرعة أكبر، لأنها لم تُصنع أصلًا لتبقى، بل لتنجح في لحظة. ومع هذا الإيقاع، يعتاد القارئ والمشاهد على الاستهلاك الخفيف، ويصبح كل محتوى يحتاج إلى تأمل أو صبر أو قراءة متأنية مهددًا بالإقصاء من المنافسة. وهنا لا نخسر جودة المحتوى فحسب، بل نخسر أيضًا قدرتنا على الفهم العميق.
ولأن العدوى لا تقف عند منصة، فقد امتدت إلى المواقع الإلكترونية أيضًا. تلك المواقع التي كان يُفترض أن تكون مساحة أرحب للمعرفة المنظمة وقعت هي الأخرى تحت إغراء الزيارات السريعة، خاصة مع نموذج الإعلانات الرقمية. من هنا ظهرت العناوين المبالغ فيها، والموضوعات المجزأة، والصفحات التي تبدو كأنها كُتبت لتخدم الإعلان أكثر مما تخدم القارئ. وعندما يصبح معيار النجاح هو عدد مرات الظهور، لا يعود مستغربًا أن تتراجع الجودة إلى الخلف، وأن يُدفع القارئ إلى محتوى يستهلكه من دون أن يخرج منه بشيء يُذكر.
المشكلة، إذن، ليست في أن نكسب انتباه الناس، بل في أن نُفرغ ما نقدمه لهم من أي قيمة حقيقية. وعندما تُقاس الجودة بالضجيج، لا يكون السؤال من الأكثر حضورًا، بل من الذي بقي لديه ما يستحق أن يُقال.