مع التوسع الهائل في استخدام منصات التواصل الاجتماعي، وما رافقه من تضخم في أعداد الحسابات وتزايد الاعتماد على حسابات تُدار أحيانًا بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي أو هويات رقمية غير واضحة، برز تأثير هذه المنصات في تشكيل الرأي العام، ولم يعد مقتصرًا على الواقع الافتراضي، بل امتد في بعض الدول إلى الواقع الميداني. أصبحت مسألة التحقق من هوية المستخدمين محورًا أساسيًا في سياسات كثير من المنصات. وفي ظل هذا الواقع، اتجهت بعض المنصات الاجتماعية إلى فرض التحقق من الحسابات قبل إتاحة بعض الخدمات أو المزايا، وذلك من خلال مطالبة المستخدم بتقديم صورة من هويته الوطنية أو تزويدها ببياناتها. ورغم أن هذه الإجراءات تُطرح غالبًا تحت مبررات تعزيز الأمان والحد من الانتحال والتقليص من الحسابات الوهمية، فإنها تثير في المقابل جملة من المخاوف المتعلقة بالخصوصية، وأمن البيانات، وحدود ما ينبغي أن تحصل عليه المنصات من معلومات شخصية شديدة الحساسية. ومن هنا تبرز خطورة تزويد المنصات الاجتماعية ببيانات الهوية الوطنية، وما قد يترتب على ذلك من آثار قانونية وأمنية ومجتمعية تتجاوز مجرد توثيق الحساب.
قبل أزمة كورونا، اتجهت بعض المنصات إلى توثيق الحسابات عبر منحها صفة رسمية من خلال علامة مميزة تظهر بجوار اسم الحساب، بما يدل على التحقق من الجهة أو الأشخاص القائمين على إدارته. ومع تزايد الإقبال على هذه العلامات، أصبحت عملية الحصول عليها أكثر صعوبة بسبب العدد الكبير من الطلبات. ففي منصة سناب شات، كانت بعض الحسابات تحتفي بالحصول على علامة النجمة الصفراء بوصفها مؤشرًا على الموثوقية والتميز. أما في منصة تويتر، فقد تحولت هذه العلامة من أداة لإبراز التحقق إلى خدمة تجارية يمكن حتى لغير الموثقين الحصول عليها مقابل اشتراك مالي للحصول على العلامة الزرقاء. ومع مرور الوقت، تطورت هذه العلامات من حيث الدلالة والتمييز، إذ أصبحت ألوانها تُستخدم للتفريق بين أنواع الحسابات، مثل الحسابات الحكومية والحسابات التجارية. وتزداد أهمية هذا التوثيق من الحسابات في منصات التواصل الاجتماعي في الأزمات السياسية على وجه الخصوص، إذ قد يسهل انتحال صفة شخص أو جهة أو حتى دولة كاملة من خلال حساب يحمل الهوية البصرية نفسها تقريبًا، مع اختلاف طفيف قد لا يتجاوز حرفًا واحدًا في اسم المعرف.
وفي الوقت الراهن، بدأت بعض المنصات في تبني إجراءات أكثر تشددًا للتحقق من هوية المستخدمين. فعلى سبيل المثال، تتيح منصة لينكدإن التحقق من الحساب عبر تزويدها بصورة من الهوية الوطنية أو جواز السفر، بما يعكس توجهًا متزايدًا نحو ربط الوجود الرقمي ببيانات هوية رسمية. كما أن إنشاء بعض الصفحات أو الاستفادة من مزايا معينة داخل المنصة قد يرتبط بوجود حساب موثق ومُعرف لدى المنصة، وهو ما يعزز من حضور سياسات التحقق الإلزامي في البيئة الرقمية.
وفي نفس السياق، دفعت بعض السياسات التنظيمية المنصات الأخرى إلى تبني أساليب تحقق إضافية لا ترتبط بالهوية الكاملة مباشرة، ولكنها تظل متصلة بالبيانات الشخصية الحساسة. فقد اضطرت منصة إكس، في ضوء بعض المتطلبات التنظيمية في الاتحاد الأوروبي، إلى تطبيق آليات للتحقق من السن القانوني للمستخدمين قبل السماح لهم بالوصول إلى بعض الصور أو المقاطع المصنفة ضمن المحتوى المقيد. ويكشف هذا التوجه عن اتساع نطاق التحقق الرقمي، بحيث لم يعد مقتصرًا على إثبات الشخصية فحسب، بل أصبح يمتد أيضًا إلى التحقق من العمر من خلال الهوية الوطنية، بما يثير تساؤلات حول حدود جمع البيانات الشخصية والهدف من التحقق وحجم المعلومات المطلوبة من المستخدم.
وإذا نظرنا إلى بيانات الهوية الوطنية بوصفها جزءًا من منظومة المعلومات المرتبطة بالأمن الوطني، فإن التساهل في إتاحتها لمنصات وشركات تجارية مثل (Persona, Clear) يثير إشكالًا بالغ الخطورة. فالسؤال لا يقتصر على مشروعية طلب هذه البيانات لأغراض التحقق فحسب، بل يمتد إلى مدى إتاحة وتمكين جهات تجارية خارجية من الوصول إلى معلومات المجتمع الحساسة، في ظل غياب سياسات صارمة تضمن عدم استغلالها أو توظيفها لأغراض غير معلنة أو أجندات تتجاوز الهدف المعلن من جمعها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وضع آلية تنظيمية واضحة تتكامل فيها أدوار المنصات الرقمية مع الجهات المختصة، مثل هيئة الحكومة الرقمية والهيئة العامة لتنظيم الإعلام، بما يضمن التحقق من الحسابات وفق ضوابط دقيقة تراعي حماية الخصوصية وأمن المعلومات. فالمسألة لا تتعلق فقط بإثبات هوية المستخدم، بل تمتد إلى ضرورة وضع سياسات وإجراءات تحد من احتمالات إساءة استخدام هذه البيانات أو استغلالها خارج الغرض الذي جُمعت من أجله.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى توظيف منصة ” نفاذ ” بوصفها أحد الحلول الممكنة للتحقق الرقمي من صاحب الحساب دون الحاجة إلى مشاركة بيانات الهوية على نحو واسع مع المنصات التجارية. كما يمكن أن تُلزم هذه الشركات، عند الضرورة، بتخزين البيانات الحساسة داخل خوادم محلية خاضعة للأنظمة الوطنية، بما يعزز مستوى الحماية القانونية والتقنية، ويحد من مخاطر الوصول غير المشروع أو النقل غير المنضبط للمعلومات خارج الحدود التنظيمية للدولة.