رأي و تعليق
رأي و تعليق
الاتصال الداخلي: هل يتبع إدارياً إلى الموارد البشرية؟

الإعلام السعودي الجديد
باحث وطالب دراسات عليا في مجال الاتصال

يُخطئ كثيرون حين ينظرون إلى الاتصال الداخلي بوصفه وظيفة تنفيذية هامشية يمكن إسنادها إلى أي إدارة تتولى شؤون الموظفين، بينما الحقيقة أن هذا المجال هو جزء أصيل من مجال الاتصال وبالتحديد تخصص العلاقات العامة. فكما أن للمؤسسة جمهورًا خارجيًا من عملاء وشركاء وإعلام ومجتمع، فإن لها أيضًا جمهورًا داخليًا لا يقل أهمية يتمثل في منسوبيها. ومن هنا، فإن التعامل مع الاتصال الداخلي على أنه مجرد نشاط إداري يفوت على المؤسسة فرصة بناء ثقافة مشتركة، وثقة متبادلة، وهوية متماسكة تبدأ من الداخل قبل أن تُرى في الخارج.

من الناحية المهنية، لا يمكن فصل الاتصال الداخلي عن جوهر العمل الاتصالي. فالعلاقات العامة لم تُبن أصلًا على مخاطبة الخارج فقط، بل على إدارة العلاقة مع مختلف الجماهير ذات الصلة بالمؤسسة، وفي مقدمتها الجمهور الداخلي. وهذا ما تؤكده الأبحاث والدراسات العلمية التي تضع الاتصال الداخلي والخارجي ضمن إطار اتصال مؤسسي واحد يهدف إلى توحيد الرسائل، وتعزيز الفهم المشترك، وبناء الثقة والسمعة المؤسسية على المدى الطويل. لذلك فإن اختزال الاتصال الداخلي في نشر تعميم أو تمرير معلومة إدارية يضعف قيمته الحقيقية بوصفه وظيفة استراتيجية تُسهم في تحقيق الأهداف المؤسسية لا مجرد دعم تشغيلي يومي.

صحيح أن بعض المؤسسات، بحكم طبيعتها أو حجمها أو تاريخها الإداري، تلجأ إلى ضم الاتصال الداخلي ضمن هيكلة الموارد البشرية، لكن هذا الترتيب التنظيمي لا يعني بالضرورة صحة المبدأ. فالموارد البشرية تُعنى بالسياسات والإجراءات واللوائح والتوظيف والتطوير، وهي وظائف مهمة، لكنها ليست البديل عن العمل الاتصالي المهني. وعندما يُختزل الاتصال الداخلي في بعدٍ إداري صرف، تصبح الرسائل موجهة بلغة الإجراءات لا بلغة المعنى، وتتحول علاقة المؤسسة بمنسوبيها إلى علاقة تنظيمية جافة، بدل أن تكون علاقة تواصل تبني الانتماء وتشرح الاتجاهات وتعزز المشاركة. التكامل بين الإدارتين مطلوب، أما الذوبان الكامل للاتصال الداخلي داخل الموارد البشرية فهو في كثير من الحالات خطأ يربك الأدوار ويشوه وظيفة الاتصال الأساسية.

وقد تختلف الرسالة بطبيعة الحال بين الجمهور الداخلي والجمهور الخارجي؛ فالموظف يحتاج إلى خطاب يفسر له الرؤية، ويوضح الأولويات، ويمنحه سياقًا لما يحدث داخل المؤسسة، بينما يحتاج الجمهور الخارجي إلى رسائل تعكس الموقف والمنتج والسمعة المؤسسية. غير أن هذا الاختلاف في طبيعة الرسالة لا يلغي حقيقة أساسية: أن ثقافة المؤسسة وهويتها لا تنبعان من الإجراءات والسياسات الإدارية وحدها. فالثقافة تُبنى أيضًا عبر اللغة التي تستخدمها القيادة، ودرجة الشفافية، ومساحات الحوار، وطريقة مشاركة النجاحات والتحديات، والرموز اليومية التي تعكس ما تؤمن به المؤسسة فعلًا. هنا يظهر الاتصال الداخلي بوصفه أداة تأسيس للهوية المؤسسية من الداخل، لا مجرد قناة لإبلاغ الموظفين بما تقرره الإدارة.

ومن أكثر الأخطاء شيوعًا أيضًا اختزال الاتصال الداخلي في فعاليات موسمية أو أنشطة مرتبطة بالأيام العالمية والمناسبات، وكأن المؤسسة أدت دورها الاتصالي لمجرد أنها نظمت احتفالًا داخليًا أو أطلقت مبادرة عابرة. الفعاليات قد تكون أداة ضمن منظومة الاتصال، لكنها ليست المنظومة نفسها. الاتصال الداخلي أعمق من حدث عابر؛ بل ممارسة مستمرة تتجلى في وضوح الرسائل، واتساق القنوات، والاستماع الفعال، وقياس الأثر، وإتاحة المجال للتفاعل الحقيقي لا الشكلي. أما حين يصبح التواصل الداخلي مجرد أجندة مناسبات، فإن المؤسسة غالبًا تصنع ضجيجًا داخليًا أكثر مما تبني فهمًا أو ولاءً أو ثقافة.

الخلاصة أن الاتصال الداخلي ليس ترفًا تنظيميًا، ولا نشاطًا تكميليًا، ولا ملفًا يمكن نقله كيفما اتفق بين الإدارات. الاتصال الداخلي وظيفة استراتيجية في صميم عمل ودور الاتصال المؤسسي، تتقاطع مع الموارد البشرية دون أن تذوب فيها، وتعمل على صناعة المعنى الداخلي الذي تقوم عليه الثقافة والهوية والولاء. والمؤسسات التي تدرك هذه الحقيقة لا تكتفي بإدارة موظفيها، بل تتواصل معهم بوعي، وتبني معهم سرديتها من الداخل، لأن السمعة القوية في الخارج تبدأ دائمًا من تواصل صادق واحترافي في الداخل.

الإعلام السعودي الجديد
باحث وطالب دراسات عليا في مجال الاتصال