نموذج قياس السمعة المؤسسية

الإعلام السعودي الجديد
باحث وطالب دراسات عليا في مجال الاتصال

الإعلام السعودي الجديد
باحث وطالب دراسات عليا في مجال الاتصال

تعد إدارة السمعة المؤسسية من المهام الأساسية التي تقع ضمن مسؤوليات أخصائي العلاقات العامة. ويطرح ذلك تساؤلًا مهمًا حول كيفية قياس سمعة المؤسسة وصورتها الذهنية لدى الجمهور أو الفئات المستهدفة وأصحاب المصلحة.

في ظل التطورات المتسارعة وتنامي حدة المنافسة بين المؤسسات، أصبحت السمعة المؤسسية أحد الأصول الاستراتيجية الضرورية لضمان استمرارية ونمو الكيانات المختلفة. فالسمعة المؤسسية ليست مجرد تصور ذهني مؤقت، بل تعكس منظومة القيم والمبادئ الأخلاقية للمؤسسة ومستوى التزامها تجاه العملاء والمجتمع. من هنا تبرز أهمية الإدارة الفاعلة للسمعة عبر كافة المستويات التنظيمية.

إن بناء سمعة قوية يتطلب تكامل الجهود بدءًا من وضع رسالة واضحة ورؤية استراتيجية للمؤسسة، وتطبيق سياسات وإجراءات مدروسة، وصولاً إلى تحقيق رضا أصحاب العلاقة والعملاء. وتمثل السمعة الإيجابية ركيزة لتحقيق ميزة تنافسية مستدامة؛ إذ تعزز قدرة المؤسسة على جذب الكفاءات، واستقطاب الاستثمارات، وترسيخ ولاء العملاء والمستفيدين حتى في أوقات الأزمات والتحديات.

ومع ازدياد تشعب العلاقات المؤسسية وتعدد قنوات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بات قياس السمعة المؤسسية عنصرًا أساسيًا لفهم موقع المؤسسة في أذهان الفئات المستهدفة، وتحديد نقاط القوة والفرص لتحسين الصورة الذهنية. ويستلزم ذلك توظيف نماذج وأدوات علمية فعالة لقياس السمعة بصورة منهجية وحيادية.

يُعتبر نموذج تشارلز فومبرون [Charles Fombrun] من النماذج العلمية الأكثر دقة وشمولاً في قياس السمعة المؤسسية، حيث يعتمد على سبعة أبعاد رئيسية: جودة المنتجات أو الخدمات، الابتكار، مكانة المؤسسة في السوق، القيادة، المسؤولية الاجتماعية، الحوكمة، وبيئة العمل. ويرتكز النموذج على حقيقة أن السمعة المؤسسية هي نتيجة تفاعل عوامل متعددة تؤدي إلى تكوين صورة ذهنية شاملة لدى الجمهور.

كما يستند النموذج في عملية القياس إلى أربعة مرتكزات أساسية هي: مستوى التقدير، مستوى الإعجاب، مستوى الشعور، ومستوى الثقة. ويوفر هذا النموذج للمؤسسات إمكانية تحليل نقاط القوة والضعف في صورتها الذهنية، بما يتيح تطوير خطط استراتيجية فعالة لتعزيز السمعة المؤسسية والحفاظ عليها في ظل بيئة تتسم بالديناميكية والتغير المستمر.

المرتكزات الأساسية لقياس السمعة المؤسسية:
1

مستوى‭ ‬التقدير‭ [‬Esteem‭]  ‬
يقيس‭ ‬مدى‭ ‬إحترام‭ ‬وتقدير‭ ‬فئات‭ ‬الجمهور‭ ‬للمؤسسة‭ ‬وقيمتها‭ ‬لديهم‭ ‬عند‭ ‬ذكرها‭ ‬أو‭ ‬الإشارة‭ ‬إليها‭.‬

2

مستوى‭ ‬الإعجاب‭ [‬Admire‭]  ‬
يقيس‭ ‬مدى‭ ‬عاطفة‭ ‬الإعجاب‭ ‬والإعتزاز‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفئات‭ ‬تجاه‭ ‬المؤسسة‭ ‬ودورها‭ ‬الريادي‭ ‬في‭ ‬المجال‭.‬

3

مستوى‭ ‬الشعور ‭ [‬Feeling‭] ‬
يقيس‭ ‬مدى‭ ‬الإحساس‭ ‬البديهي‭ ‬الإيجابي‭ ‬عن‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفئات‭.‬

4

مستوى‭ ‬الثقة ‭ [‬Trust‭] ‬
يقيس‭ ‬مدى‭ ‬الإيمان‭ ‬التام‭ ‬والموثوقية‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬عند‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المؤسسة‭ ‬للقيام‭ ‬بالأدوار‭ ‬المطلوبة‭ ‬منها‭.‬

رسم بياني يوضح الأبعاد والمرتكزات الأساسية لقياس السمعة المؤسسية

تتأثر السمعة المؤسسية بمجموعة متنوعة من العوامل التي يصعب اختزالها في معيار واحد عند تقييم مدى قوة أو ضعف صورة المؤسسة لدى الجمهور. ولهذا السبب، طُورت نماذج تحليلية متكاملة تتيح مراجعة جميع المؤثرات المحيطة بالسمعة وتوفر إطارًا علميًا يساعد المؤسسات على دراسة الصورة الذهنية لديها بكل تفاصيلها، مما يساهم أيضًا في تحديد الجوانب التي تحتاج إلى تطوير أو تحسين بصورة مستمرة.

ونظرًا لتعقيد عمليات قياس السمعة المؤسسية وأهمية ضمان الدقة والحيادية في جمع وتحليل البيانات، تعتمد النماذج العلمية على مجموعة من الأبعاد الأساسية التي تغطي معظم مجالات أداء المؤسسة وصورتها الذهنية. هذه الأبعاد تتيح للمؤسسة إجراء تقييم موضوعي، وتحديد نقاط القوة والضعف، ووضع خطط استراتيجية فعّالة لتحسين السمعة والحفاظ عليها.

وفي هذا الإطار، ستتم مناقشة الأبعاد السبعة الرئيسة التي يعتمدها نموذج قياس السمعة المؤسسية، حيث تُعد هذه الأبعاد مرجعًا أساسيًا لتقييم صورة المؤسسة ومكانتها لدى مختلف الفئات المستهدفة. وتبرز أهمية هذه الأبعاد في شمولها لكافة العناصر التي تعكس أداء المؤسسة وسلوكها وقيمها، بما يدعم بناء سمعة قوية ومستدامة.

الأبعاد الأساسية لقياس السمعة المؤسسية:
1

تقييم الأداء:
نتائج‭ ‬إيجابية‭ ‬تجاوز‭ ‬التوقعات‭ ‬في‭ ‬الأعمال‭ ‬المناطة‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬مع‭ ‬نمو‭ ‬مستمر‭ ‬نحو‭ ‬ريادتها‭ ‬

2

تقييم بيئة العمل:
بيئة‭ ‬عمل‭ ‬محفزة‭ ‬للموظفين،‭ ‬اتصال‭ ‬داخلي‭ ‬فعال‭ ‬بين‭ ‬المستويات‭ ‬الإدارية‭ ‬المختلفة‭.‬

3

تقييم المواطنة:
دور‭ ‬المؤسسة‭ ‬نحو‭ ‬القضايا‭ ‬الإجتماعية‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬المبادرات‭ ‬وتأثيرها‭ ‬إيجابياً‭ ‬تجاه‭ ‬المجتمع‭.‬

4

تقييم الحوكمة:
شفافية‭ ‬عالية‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬والإجراءات،‭ ‬احترام‭ ‬لأخلاقيات‭ ‬المهنة‭ ‬والمنافسة‭ ‬العادلة‭ ‬مع‭ ‬الغير‭.‬

5

تقييم الخدمات:
قيمة‭ ‬وجودة‭ ‬عالية‭ ‬للخدمات‭ ‬المقدمة‭ ‬لجمهور‭ ‬المؤسسة‭ ‬وبإحترافية‭  ‬ومهنية‭ ‬تلبي‭ ‬تطلعاتهم‭.‬

6

تقييم الابتكار:
قدرة‭ ‬المؤسسة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬وإيجاد‭ ‬الحلول‭ ‬المبتكرة‭ ‬كرائد‭ ‬في‭ ‬المجال‭.‬

7

تقييم القيادة:
رؤية‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬للمستقبل‭ ‬وإداراتها‭ ‬للمؤسسة‭ ‬نحو‭ ‬تحقيقها‭ ‬بشكل‭ ‬فعال‭ ‬وتمكينها‭ ‬للقيادات‭.‬

عقب تحديد المرتكزات الأربعة والأبعاد السبعة لنموذج قياس السمعة المؤسسية، يمكن البدء بتنفيذ خطوات منهجية لقياس السمعة بشكل موضوعي واحترافي. وتتضمن هذه العملية جمع البيانات والمعلومات من مصادر متنوعة مثل استطلاعات الرأي، المقابلات مع أصحاب المصلحة، وتحليل المحتوى الإعلامي والاجتماعي، مع مراعاة استخدام أدوات علمية ومحايدة لضمان دقة نتائج التقييم المتعلقة برؤية الجمهور للمؤسسة ومستوى الثقة والإعجاب بها وفق المرتكزات المعتمدة.

يلي ذلك تحليل النتائج بناءً على الأبعاد السبعة: جودة المنتجات أو الخدمات، الابتكار، مكانة المؤسسة في السوق، القيادة، المسؤولية الاجتماعية، الحوكمة، وبيئة العمل؛ ويرتبط بكل بعد مؤشرات قياس واضحة تُمكن من تقييم الأداء بصورة دقيقة، كرضا العملاء، استدامة الابتكار، سمعة القيادة، ومستوى الشفافية والمسؤولية. عبر هذا التحليل المتكامل، تتمكن المؤسسة من تحديد نقاط القوة وفرص تطوير الجوانب التي تستدعي تحسيناً، ما يعزز وضع استراتيجية فعالة لبناء السمعة المؤسسية وضمان استدامتها.

مثال: هيئة تنمية الصادرات السعودية

طلب‭ ‬منك‭ ‬مدير‭ ‬عام‭ ‬الإتصال‭ ‬في‭ ‬الهيئة‭ ‬قياس‭ ‬مستوى‭ ‬سمعة‭ ‬المؤسسة‭ ‬بأبعادها‭ ‬السبعة‭ ‬لتقديم‭ ‬تصور‭ ‬متكامل‭ ‬عن‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية‭ ‬لدى‭ ‬جمهورها‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬للإدارة‭ ‬العليا‭. ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬وضع‭ ‬خطة‭ ‬اتصالية‭ ‬إما‭ ‬لتعزيز‭ ‬سمعة‭ ‬الهيئة‭ ‬أو‭ ‬تعديل‭ ‬منحى‭ ‬الصورة‭ ‬السلبية‭:‬

بناء معايير لكل بُعد من الأبعاد
1

معايير‭ ‬موحدة‭ ‬للأبعاد‭: ‬
لكل‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬الأبعاد‭ ‬السبعة‭ ‬يجب‭ ‬وضع‭ ‬عدد‭ ‬محدد‭ ‬من‭ ‬المعايير‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ (‬10‭) ‬معايير‭ ‬لكل‭ ‬بُعد‭.‬

2

معايير‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭: ‬
ضع‭ ‬في‭ ‬الحسبان‭ ‬بأن‭ ‬تلك‭ ‬المعايير‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭ ‬ويٌفضل‭ ‬عرضها‭ ‬على‭ ‬مختصين‭ ‬في‭ ‬القياس‭.‬

مثال لتطبيق المعايير على أبعاد قياس سمعة الهيئة:
1

الخطوة‭ ‬الأولى‭: ‬
حصر‭ ‬واعتماد‭ ‬معايير‭ ‬كل‭ ‬بُعد‭ ‬من‭ ‬الأبعاد‭ ‬السبعة‭ ‬مع‭ ‬تحديد‭ ‬درجة‭ ‬القياس‭ ‬لكل‭ ‬معيار‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬المعايير‭.‬

2

الخطوة‭ ‬الثانية‭: ‬
حصر‭ ‬الأدلة‭ ‬والاستشهادات‭ ‬التي‭ ‬تدعم‭ ‬نتيجة‭ ‬كل‭ ‬معيار‭ ‬من‭ ‬معايير‭ ‬القياس‭ ‬مع‭ ‬احتساب‭ ‬مجموع‭ ‬كل‭ ‬بُعد‭.‬

2

الخطوة‭ ‬الثالثة‭: ‬
استعراض‭ ‬نتيجة‭ ‬كل‭ ‬بٌعد‭ ‬من‭ ‬الأبعاد‭ ‬مع‭ ‬تحليل‭ ‬نتيجة‭ ‬درجة‭ ‬القياس‭ ‬لتسهيل‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الإدارة‭.‬

عند الانتهاء من تنفيذ الخطوات المنهجية لقياس السمعة المؤسسية، تحصل المؤسسة على قاعدة بيانات متكاملة ونتائج تحليلية معمقة تعكس صورة المؤسسة كما تظهر في أذهان مختلف فئات الجمهور. لا تقتصر هذه النتائج على المؤشرات الكمية التي توضح اتجاهات الرأي العام ومستوى الرضا، بل تتضمن أيضاً مؤشرات نوعية تقدم معطيات دقيقة حول توقعات ومواقف المستفيدين، مثل الملاحظات المفتوحة والانطباعات المتكررة والقصص المتداولة بينهم. يتيح الدمج بين البيانات الكمية والنوعية للمؤسسة تكوين رؤية شاملة ودقيقة تسهم في تحديد نقاط القوة والجوانب التطويرية المتعلقة بالسمعة.

ينبغي أن تدرك المؤسسات أن الوصول إلى هذه النتائج يشكل المرحلة الأولى ضمن عملية التقييم المتكاملة؛ إذ يتعين بعد ذلك مواءمة نتائج الأبعاد السبعة للسمعة المؤسسية: جودة المنتجات، الابتكار، مكانة السوق، القيادة، المسؤولية الاجتماعية، الحوكمة، وبيئة العمل، مع المرتكزات الأربعة الرئيسة للنموذج العلمي المعتمد: التقدير، الإعجاب، الشعور، والثقة. توفر هذه الخطوة إطارًا تحليليًا لفهم العلاقة بين أداء المؤسسة في كل بعد ومستوى الثقة أو الإعجاب لدى الجمهور، ما يدعم بناء تصور أكثر دقة للواقع الذهني عن المؤسسة.

ولضمان موضوعية النتائج ودقة التفسيرات، يوصى بمراجعة تقارير التحليل بالتعاون مع خبراء القياس والإحصاء. فالخبراء يمتلكون الأدوات والمعرفة الضرورية لتدقيق البيانات واستخلاص استنتاجات رصينة وتقديم توصيات عملية قائمة على أسس منهجية واضحة. تسهم هذه المراجعة في معالجة أي انحرافات أو ثغرات محتملة في النتائج وتعزز الثقة في الاستراتيجيات المقترحة لتحسين السمعة المؤسسية وضمان استمراريتها في ظل متغيرات بيئة الأعمال المتسارعة.

مقالات اخرى: