يُعد تفعيل المكان (Placemaking) أحد المفاهيم الحديثة التي تهدف إلى تطوير المساحات والأماكن العامة وتحويلها إلى بيئات فعالة تدعم التفاعل الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين مختلف فئات المجتمع. يتجاوز هذا المفهوم مجرد تحسين البنية التحتية أو الجوانب الجمالية ليمتد إلى بناء هوية متميزة تلبي احتياجات وتطلعات المجتمع المحلي، مع الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة لتحقيق قيمة مضافة مستدامة. يعتمد نجاح عمليات تفعيل المكان على منهجية تشاركية تشمل السكان والقطاعات الحكومية والمؤسسات الخاصة، لضمان أن تكون المساحات العامة أكثر جاذبية وملاءمة للاستخدام اليومي وتلبي متطلبات الحياة.
كما أن مصطلح تفعيل المكان يشير إلى عملية تعظيم الأصول المجتمعية وضمان استدامتها من خلال استغلال المساحات العامة في تنظيم أنشطة وفعاليات تهدف إلى تحسين جودة الحياة، وزيادة التفاعل المجتمعي مع البيئة المحيطة وإحداث عوائد اقتصادية واجتماعية. وترتكز هذه العملية على توفير بيئة محفزة للابتكار والتواصل وتتيح مشاركة جميع شرائح المجتمع في مساحات عامة آمنة وغنية بالأنشطة. كما يهدف تفعيل المكان إلى تعزيز الانتماء للمكان وتحقيق التوازن بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يضمن استدامة هذه المساحات كمحركات للتنمية الحضرية وتحسين جودة الحياة في المجتمع.
ما هو المقصود بالمساحات والأماكن العامة؟
هي المساحات التي يمكن أن يشارك ويستمتع فيها جميع فئات المجتمع حضوريًا ويتاح من قبل مؤسسات الدولة أو شركات خاصة ويمكن أن تكون تلك المساحات مغلقة داخل المباني أو مساحات مفتوحة خارج المباني على سبيل المثال لا الحصر:
تشمل المساحات والأماكن العامة مجموعة واسعة من المواقع التي تتيح التفاعل الاجتماعي وتجمع أفراد المجتمع بمختلف أعمارهم وفئاتهم واهتماماتهم، مثل الحدائق العامة والساحات والملاعب المفتوحة والمراكز المجتمعية والمعارض الثقافية. وتعتبر هذه المساحات ركيزة أساسية في التنمية الحضرية، إذ تساهم في تعزيز الشعور بالانتماء للمكان، وتوفير بيئة آمنة وصحية لممارسة الأنشطة الجماعية والفردية على حد سواء. كما توفر فرصًا لمشاركة المجتمع المحلي في اتخاذ قرارات تخص تطوير المكان واستخدامه، ما يعزز من قيمة المشاركة المجتمعية ويحقق التكامل بين مختلف الجهات المعنية.
إضافة إلى ذلك، تلعب المساحات العامة دورًا مهمًا في دعم الاقتصاد المحلي من خلال استضافة الفعاليات والأسواق المؤقتة والمعارض، ما يتيح فرصًا للابتكار وريادة الأعمال. وتتميز هذه المساحات بقدرتها على تلبية احتياجات السكان وتطلعاتهم المتغيرة، وتوفير بيئة مرنة تستوعب الأنشطة الثقافية والترفيهية والتعليمية. سواء كانت هذه المساحات مفتوحة كالمتنزهات أو مغلقة كالمراكز التجارية، فالأهم هو ضمان سهولة الوصول إليها من جميع أفراد المجتمع وتوفير خدمات وتجهيزات تراعي الفئات المختلفة، مما يساهم في تحقيق جودة حياة أفضل للجميع.
ما هو المقصود بإستراتيجية تفعيل المكان؟
يهدف هذه الاستراتيجية إلى تلبية تطلعات مختلف شرائح المجتمع من خلال توفير إطار عمل منهجي واضح لتطوير وتفعيل المساحات والأماكن العامة بالشكل الأمثل، بما يحقق استدامة زيارتها في المستقبل. كما يؤسس المستند لإطار استراتيجي متكامل يراعي احتياجات المجتمع المحلي، عبر تحديد الأهداف والمحاور الأساسية التي ينبغي التركيز عليها عند تطوير هذه المساحات بناء على ملف الفئات المستهدفة.
ويعتمد المستند على وضع خطط مدروسة ومبادرات مبتكرة تضمن أن تكون المساحات العامة أكثر جاذبية وفعالية في دعم التفاعل الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، الأمر الذي يسهم بشكل مباشر في رفع مستوى جودة الحياة وتعزيز مشاركة السكان في تنمية هذه الأماكن. علاوة على ذلك، يهدف المستند على أهمية مشاركة جميع الجهات ذات العلاقة، بما في ذلك السكان والقطاعات الحكومية والمؤسسات الخاصة، خلال مراحل التخطيط والتنفيذ لتحقيق تكامل وتوازن بين الرؤى المتنوعة.
من خلال اعتماد هذا النهج التشاركي، يتم بناء بيئات ومساحات عامة مستدامة تلبي طموحات المجتمع وتدعم استمرار الأنشطة والفعاليات على المدى البعيد، بالإضافة إلى تعزيز الانتماء والمسؤولية المجتمعية تجاه المساحات والأماكن العامة.
ما هي مكونات مستند استراتيجية تفعيل المكان؟
يجب أن يجيب المستند على أربعة محاور أو ركائز أساسية ترتبط بها أهداف استراتيجية بعيدة المدى يمكن من خلالها توليد مبادرات وبرامج استراتيجية. تعد المحاور والركائز الأساسية المذكورة في هذا المستند الإطار المنهجي الذي تنبثق منه الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى لتفعيل المساحات والأماكن العامة. إذ تهدف هذه المحاور إلى رسم خارطة طريق واضحة يمكن من خلالها ابتكار مبادرات وبرامج وأنشطة وفعاليات نوعية تعزز استدامة هذه المساحات وتحقيق أقصى استفادة منها.
أولا: الاستخدامات والأنشطة
– كيف يمكننا جعل المساحة نشطة ومستدامة؟
– كيف يمكننا جعل المكان مميز عن باقي المساحات؟
– كيف يمكننا تعظيم المساحة وخلق عوائد مادية؟
– كيف يمكننا الاستفادة من هذه المساحة؟
ثانياً: الارتباط والوصول
– إمكانية استمرارية الأنشطة والفعاليات؟
– هل المساحة أو المكان قريب أو بعيد؟
– هل المكان متاح لجميع الفئات؟
– كيف يمكنني الوصول إلى المكان؟
ثالثاً: الصورة والسمعة
– هل المكان له إرث تاريخي أو قصة مميزة؟
– هل الوجهة مميزة وتستحق الزيارة؟
– هل المكان أو المساحة نظيفة؟
– هل البُنية التحتية مؤهلة لاستقبال الزوار؟
رابعاً: المشاعر والسلوك
– هل المكان آمن ويمكنني الاستمتاع بوقتي؟
– كيف يمكننا جعل المساحة تفاعلي؟
– كيف يمكننا جعل المساحة أكثر اجتماعيًا؟
– هل المكان متاح لجميع الاهتمامات والهوايات؟
من خلال هذه المحاور يتم إنشاء المساحات والأماكن العامة لتكون بيئة حيوية تستقطب فئات متعددة من المجتمع لممارسة الأنشطة أو الاستمتاع بالوقت، بالإضافة إلى خلق فرص اقتصادية واجتماعية وتعليمية لكافة الأفراد والمؤسسات.
إن التركيز على تعزيز الصورة والسمعة وتوفير بيئة آمنة وجاذبة وتطوير البنية التحتية يمثل عناصر أساسية في رفع مكانة المساحات العامة وتحويلها إلى نقاط جذب تدعم التفاعل الاجتماعي وتدعم الإبداع وتقوي الترابط المجتمعي. كذلك، فإن تقديم أنشطة متنوعة وشمولية يتيح مشاركة جميع الفئات وتبادل الخبرات، مما يعزز التعاون والانتماء ويشجع الاستثمار في تلك الأماكن. وبهذا تصبح المساحات العامة منصة فعالة لتطوير المجتمع وتحقيق فرص جديدة للنمو والتقدم.
في النهاية، يمثل بناء وتطوير المساحات العامة استثمارًا في مستقبل المجتمع، وأداة لإثراء الحياة اليومية وتحقيق التنمية المستدامة لجميع فئات المجتمع المحلي.






