أصبحت مصطلحات مثل تجربة المريض، وتجربة العميل، وتجربة الزائر، وتجربة المستخدم، وتجربة المستفيد من المفاهيم المتداولة على نطاق واسع في مختلف الجهات والمؤسسات، الحكومية منها والخاصة. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم ليس جديدًا؛ إذ يتمحور جوهره حول تحسين الصورة الذهنية للمستفيد النهائي والفئات المستهدفة، ورفع مستوى وعيهم بالتجربة المقدمة، من خلال سلسلة من الأنشطة الاتصالية التي تسهم في تعزيز الهوية المؤسسية، وترسيخ الصورة الإيجابية، وبناء السمعة المؤسسية للجهة.
تُعد هذه التجارب والأنشطة الاتصالية جزءًا أصيلًا من اختصاص أخصائي العلاقات العامة في مسار تجربة المستفيد، ولا تقتصر مسؤوليتها على إدارة تقنية المعلومات أو التحول الرقمي. ومع ذلك، تُدرج بعض الجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة هذا المفهوم ضمن تلك الإدارات، وهو ما يُعد من الأخطاء الشائعة؛ إذ إن جوهر تجربة المستفيد لا يقوم على البعد التقني وحده، بل يرتكز أساسًا على بُعد اتصالي يهدف إلى تعزيز فاعلية الرسائل الموجهة إلى المستفيد النهائي في كل مرحلة من مراحل التجربة. وفي الوقت نفسه، يُستفاد من أدوار الإدارات الأخرى داخل الجهة، مثل إدارة تقنية المعلومات، من خلال توظيف الوسائل التقنية لدعم تجربة المستفيد أو العميل وتحسين رحلته.
يُقصد بالتجربة في هذا السياق مجمل الانطباعات والمشاعر والتصورات التي تتشكل لدى المستفيد أثناء تفاعله مع الجهة، بدءًا من اللحظة الأولى التي يتعرف فيها على الخدمة أو المبادرة، مرورًا بمراحل التواصل والاستخدام، وانتهاءً بما يخرج به من تقييم وانطباع نهائي. ولا تقتصر التجربة على تقديم الخدمة في صورتها الإجرائية أو التقنية، بل تشمل كذلك أسلوب التواصل، ووضوح المعلومات، وسهولة الوصول، وسرعة الاستجابة، ومدى شعور المستفيد بالتقدير والاهتمام طوال رحلته مع الجهة.
ومن هذا المنطلق، تُعد التجربة عنصرًا استراتيجيًا في نجاح الجهات والمؤسسات؛ لأنها تؤثر مباشرة في مستوى رضا المستفيد وثقته، وفي الصورة الذهنية التي تتشكل لديه تجاه الجهة. فكل نقطة تواصل، مهما بدت بسيطة، تسهم في تكوين هذه التجربة، سواء كانت رسالة توضيحية، أو منصة رقمية، أو تفاعلًا مباشرًا مع الموظفين. لذلك فإن تحسين تجربة المستفيد يتطلب نظرة شمولية تراعي الجوانب الاتصالية والتنظيمية والتقنية معًا، بما يضمن تقديم تجربة متكاملة تحقق تطلعات المستفيد وتعزز من قيمة الجهة وسمعتها.
وبحسب طبيعة الخدمات التي تقدمها الجهة، قد يختلف توصيف الفئة النهائية المستفيدة من الخدمة تبعًا لطبيعة العلاقة القائمة معها؛ إذ يوجد فرق بين مفهوم تجربة المستفيد ومفهوم تجربة العميل. فالمستفيد هو الشخص الذي تُقدم له الخدمة من الجهة دون مقابل مادي مباشر، في حين يُطلق وصف العميل على الشخص الذي يدفع مقابلًا ماديًا لقاء الخدمة المقدمة له. وفيما يلي عرض لأبرز المصطلحات المتداولة في هذا السياق:
تجربة المستفيد: تُشير إلى التجربة التي يعيشها الشخص الذي يحصل على خدمة بحكم استحقاقه لها، استنادًا إلى معايير، أو خلفيات تعليمية، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو غيرها، وذلك من الجهات الحكومية أو غير الربحية، دون مقابل مادي مباشر.
تجربة العميل: تُشير إلى التجربة التي يمر بها الشخص الذي يدفع رسومًا أو تكاليف مالية مقابل الحصول على خدمة أو منتج من جهة حكومية أو خاصة، وتشمل هذه التجربة جميع نقاط التفاعل التي تؤثر في مستوى رضاه وانطباعه عن الجهة المقدمة للخدمة.
تجربة المريض: تُشير إلى التجربة التي يمر بها الشخص أثناء تلقيه الرعاية الصحية في المؤسسات والمنشآت الطبية، سواء كانت هذه الخدمة مقدمة بمقابل مادي كما في المستشفيات الخاصة، أو دون مقابل مباشر كما في المستشفيات الحكومية. وتشمل هذه التجربة مختلف نقاط التفاعل التي تؤثر في مستوى رضاه وطمأنينته وانطباعه عن الجهة الصحية المقدمة للخدمة.
تجربة الزائر: تُشير إلى التجربة التي يمر بها الشخص أثناء زيارته لجهة أو فعالية للاستفادة من خدماتها أو مرافقها أو أنشطتها، وتشمل هذه التجربة جميع نقاط التفاعل قبل الزيارة وأثناءها وبعدها، مثل سهولة الوصول، ووضوح المعلومات، وجودة الاستقبال، وتنظيم المكان.
تجربة السائح: تُشير إلى التجربة التي يعيشها الشخص خلال رحلته السياحية منذ مرحلة التخطيط وحتى العودة، وتشمل جميع نقاط التفاعل التي يمر بها، مثل إجراءات الحجز، والتنقل، والإقامة، وزيارة المعالم، والأنشطة، والتعامل مع المجتمع المحلي والخدمات المساندة.
تجربة المستخدم: تُشير إلى مجمل الانطباعات والاستجابات التي تتكون لدى الشخص عند تفاعله، أو استخدام منتج أو خدمة أو نظام، سواء كان هذا التفاعل عبر موقع إلكتروني، أو تطبيق رقمي، أو جهاز، أو خدمة ميدانية. وتشمل هذه التجربة جميع المراحل التي يمر بها المستخدم قبل الاستخدام وأثناءه وبعده، وتتأثر بعوامل متعددة، من أبرزها سهولة الاستخدام، ووضوح واجهة المستخدم.
وتتمثل أبرز عناصر التجربة التي تؤثر في انطباع أي شخص، في مختلف المجالات، في مجموعة من الجوانب الأساسية التي تبدأ منذ لحظة التفاعل الأولى وتستمر حتى نهاية الرحلة. وتختلف أهمية هذه العناصر باختلاف طبيعة الخدمة أو المنتج أو الجهة المقدمة، إلا أنها تشترك جميعًا في تأثيرها المباشر في مستوى الرضا، وجودة الانطباع، ومدى رغبة الشخص في تكرار التجربة أو التوصية بها للآخرين.
ومن أهم هذه العناصر: وضوح المعلومات، وسهولة الوصول، وسرعة الاستجابة، وجودة التواصل، وحسن التنظيم، والشعور بالاهتمام والتقدير. فكلما كانت المعلومات دقيقة ومفهومة، وكانت قنوات الخدمة أو الزيارة أو الاستخدام سهلة وواضحة، أسهم ذلك في تقليل الجهد والارتباك، ورفع مستوى الثقة لدى المستفيد أو العميل أو المستخدم. كما أن جودة التواصل، سواء أكان مباشرًا أم رقميًا، تمثل عنصرًا محوريًا في تشكيل التجربة، لأنها تعكس مهنية الجهة وحرصها على تلبية الاحتياجات بفاعلية.
ولا تقتصر عناصر التجربة على الجوانب الإجرائية فقط، بل تشمل أيضًا الأبعاد الشعورية والتنظيمية التي تترك أثرًا طويل المدى في الانطباع العام. فالإحساس بالترحيب، والعدالة في المعاملة، والاهتمام بالتفاصيل، والقدرة على معالجة الملاحظات أو المشكلات بسرعة وكفاءة، كلها عناصر تعزز جودة التجربة وتمنحها طابعًا إيجابيًا. ومن هنا، فإن الجهات الناجحة هي التي تنظر إلى التجربة بوصفها عملية متكاملة تحتاج إلى تقييم مستمر وتطوير دائم، بما يضمن تحسين الرحلة الكلية للشخص وتعزيز رضاه وولائه وثقته بالجهة المقدمة للخدمة. ويمكن تلخيص المكونات الأساسية لأي تجربة على النحو التالي:
أولاً: نقاط التواصل أو التفاعل (Touchpoints)
يُقصد بنقاط التواصل أو التفاعل جميع اللحظات والقنوات التي يلتقي فيها المستفيد أو العميل أو المستخدم مع الجهة أو الخدمة أو المنتج، سواء كان هذا اللقاء مباشرًا أو غير مباشر، ماديًا أو رقميًا. وتشمل هذه النقاط، على سبيل المثال، الإعلانات والرسائل التعريفية، والموقع الإلكتروني، وتطبيقات الهواتف الذكية، ومراكز الاتصال، ومكاتب الاستقبال، وموظفي الخدمة، والنماذج الإلكترونية، وحتى البيئة المكانية والتنظيمية المحيطة بالخدمة. وتكتسب هذه النقاط أهميتها من كونها تشكل المساحات الفعلية التي تتكون من خلالها الانطباعات، وتُبنى فيها العلاقة بين الجهة والجمهور المستهدف.
وتُعد إدارة نقاط التواصل عنصرًا محوريًا في تحسين التجربة الشاملة؛ لأن أي خلل في واحدة منها قد ينعكس سلبًا على الانطباع العام، حتى وإن كانت بقية عناصر التجربة جيدة. فوضوح الرسائل، وسهولة الوصول، وسرعة الاستجابة، واتساق الخدمة عبر القنوات المختلفة، كلها عوامل تحدد جودة هذه النقاط وفاعليتها. ومن هنا، فإن الجهات الناجحة لا تنظر إلى نقاط التواصل بوصفها أحداثًا منفصلة، بل تتعامل معها باعتبارها منظومة مترابطة يجب تصميمها وتنسيقها ومراجعتها باستمرار، بما يضمن تقديم تجربة موحدة ومتكاملة تعزز الرضا والثقة والولاء.
وغالبًا ما تُصنف نقاط التواصل وفق مراحل الرحلة إلى نقاط تسبق الحصول على الخدمة، ونقاط ترافق تجربة الاستفادة منها، ونقاط لاحقة تتعلق بالمتابعة والتقييم والدعم. ويساعد هذا التصنيف الجهات على فهم مواضع القوة والضعف في كل مرحلة، ومن ثم تحسينها بصورة أكثر دقة، بما يسهم في بناء تجربة أكثر سلاسة وفاعلية وارتباطًا باحتياجات الجمهور المستهدف.
ثانياً: العواطف (Emotions)
يُقصد بالعواطف في سياق التجربة المشاعر والانفعالات التي تتولد لدى المستفيد أو العميل أو المستخدم أثناء تفاعله مع الجهة أو الخدمة أو المنتج في مختلف مراحل الرحلة. وقد تكون هذه العواطف إيجابية، مثل الطمأنينة والثقة والارتياح والشعور بالتقدير، وقد تكون سلبية، مثل القلق أو الإحباط أو الغموض أو الاستياء. وتنبع أهمية هذا العنصر من أن التجربة لا تُقاس فقط بما يُقدم من خدمة أو محتوى، بل كذلك بما يشعر به الشخص أثناء حصوله عليها، لأن المشاعر تمثل بعدًا مؤثرًا في تشكيل الانطباع النهائي وتقييم التجربة ككل.
وتتكون العواطف من خلال مجموعة من التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، لكنها ذات أثر بالغ، مثل أسلوب الاستقبال، ونبرة الخطاب، ووضوح الإجراءات، وسرعة المعالجة، والإحساس بالاحترام والعدالة في التعامل. فكل نقطة تفاعل تحمل في طياتها أثرًا شعوريًا قد يعزز الثقة والرضا، أو يضعفهما إذا اتسمت بالتعقيد أو التجاهل أو سوء التنظيم. ومن هنا، فإن الجهات التي تسعى إلى تحسين التجربة بصورة فعالة تحرص على فهم الجانب العاطفي لدى جمهورها المستهدف في كل نقطة اتصال أو تفاعل، وتعمل على تصميم الرحلة بما يراعي احتياجاته النفسية وتوقعاته، لأن بناء تجربة إيجابية لا يتحقق فقط بالكفاءة التشغيلية، بل يحتاج أيضًا إلى حس إنساني واتصالي يرسخ علاقة أكثر قربًا وولاءً مع الجهة.
مثال: تجربة المريض في مستشفى الحبيب
تخيل مريضًا يزور مستشفى الحبيب التخصصي في مدينة الرياض لمراجعة طبيبه والاستشارة بشأن حالة صحية معينة. سيمر هذا المريض بعدة مراحل تبدأ من حجز الموعد، ثم الوصول إلى المستشفى، وإتمام إجراءات الدخول، والانتظار، ومقابلة الطبيب، وانتهاءً بالحصول على الدواء من الصيدلية. وعلى الرغم من أن هذه الرحلة قد تستغرق ساعتين أو أقل، فإن جودة التجربة خلالها قد تختلف بصورة كبيرة تبعًا لمستوى التفاعل الاتصالي الذي تقدمه المستشفى للمريض في كل مرحلة. وفيما يلي رسم بياني يوضح هذا المفهوم بصورة مبسطة.
وخلال هذه المراحل الخمس، يمكن للمستشفى توظيف مجموعة من الأدوات والوسائل الاتصالية التي تسهم في تحسين تجربة المريض، وتعزيز صورته الذهنية تجاه المؤسسة الصحية. فكل مرحلة من مراحل الرحلة تمثل فرصة للتواصل الفعال، سواء من خلال الرسائل التوعوية، أو الإرشادات الواضحة، أو أساليب الاستقبال، أو المحتوى الإعلامي، أو القنوات الرقمية المساندة. ويؤدي هذا التوظيف الاتصالي دورًا مهمًا في تقليل التوتر، ورفع مستوى الطمأنينة، وتسهيل فهم الإجراءات، بما ينعكس إيجابًا على جودة التجربة والانطباع العام.
وتتكون العواطف من خلال مجموعة من التفاصيل التي قد تبدو بسيطة، لكنها ذات أثر بالغ، مثل أسلوب الاستقبال، ونبرة الخطاب، ووضوح الإجراءات، وسرعة المعالجة، والإحساس بالاحترام والعدالة في التعامل. فكل نقطة تفاعل تحمل في طياتها أثرًا شعوريًا قد يعزز الثقة والرضا، أو يضعفهما إذا اتسمت بالتعقيد أو التجاهل أو سوء التنظيم. ومن هنا، فإن الجهات التي تسعى إلى تحسين التجربة بصورة فعالة تحرص على فهم الجانب العاطفي لدى جمهورها المستهدف في كل نقطة اتصال أو تفاعل، وتعمل على تصميم الرحلة بما يراعي احتياجاته النفسية وتوقعاته، لأن بناء تجربة إيجابية لا يتحقق فقط بالكفاءة التشغيلية، بل يحتاج أيضًا إلى حس إنساني واتصالي يرسخ علاقة أكثر قربًا وولاءً مع الجهة.
وفي هذا السياق، تتكامل أدوار العلاقات العامة والتسويق والإعلام في دعم تجربة المريض عبر بناء رسائل موحدة، وتقديم محتوى يراعي احتياجاته، وتعزيز الثقة بالمؤسسة الصحية في مختلف نقاط التفاعل. فالعلاقات العامة تسهم في ترسيخ الصورة المؤسسية وبناء العلاقة الإنسانية مع المريض، بينما يدعم التسويق إبراز الخدمات وتسهيل الوصول إليها، في حين يضطلع الإعلام بدور مهم في نقل المعلومات وتوضيح الإجراءات وتعزيز الوعي. وفيما يلي مثال لجدول أو مخطط يوضح كيف يمكن توظيف هذه الأدوات الاتصالية عبر مراحل رحلة المريض بصورة مترابطة ومنظمة.





