نموذج تحديد أولويات المبادرات الاتصالية

الإعلام السعودي الجديد
باحث وطالب دراسات عليا في مجال الاتصال

الإعلام السعودي الجديد
باحث وطالب دراسات عليا في مجال الاتصال

بصفتك مديرًا عامًا جديدًا للاتصال المؤسسي في المؤسسة، وبعد الانتهاء من حصر بيانات البيئة الاتصالية وتحليلها، ستبرز أمامك تحديات تتعلق بتحديد أولويات العمل والتمييز بين المبادرات السريعة والمشاريع الاستراتيجية ذات الأثر الأبعد. وتُعد هذه المرحلة من أكثر المراحل حساسية؛ لأنها تتطلب اتخاذ قرارات دقيقة تضمن توجيه الموارد والجهود نحو ما يحقق أفضل قيمة للمؤسسة.

ولمعالجة هذه الإشكالية، يمكن الاستفادة من مصفوفة تحديد الأولويات [Prioritization Matrix]، وهي أداة عملية تُستخدم لتصنيف المبادرات والمشاريع وفق محورين رئيسين: الجهد المبذول (x) والتأثير المتوقع (y). ويندرج تحت كل محور ثلاثة مستويات هي: مرتفع، ومتوسط، ومنخفض، بما يساعد على تقييم الخيارات بصورة منهجية، وتحديد ما ينبغي تنفيذه أولًا، وما يمكن تأجيله أو إعادة النظر فيه وفقًا لأولويات المؤسسة وأهدافها الاستراتيجية.

رسم بياني يوضح عناصر نموذج مصفوفة تحديد الأولويات (3x3):
مثال: الهيئة العامة للطيران المدني

لنفترض أنك ستتولى العمل في الهيئة العامة للطيران المدني، وبعد الانتهاء من المرحلتين الأولى والثانية من تشخيص واقع البيئة الاتصالية في منظومة الطيران المدني، تبين لك وجود مبادرات سريعة ومشاريع اتصالية استراتيجية ينبغي العمل عليها وإدراجها ضمن الخطة الاستراتيجية للاتصال. وتمس هذه المبادرات والمشاريع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الفئات المستهدفة للهيئة، مثل المسافرين، والعاملين في قطاع الطيران، وموظفي الهيئة، وغيرهم من الأطراف ذات العلاقة.

وفي ضوء ذلك، يبرز تساؤل جوهري: ما أولويات تنفيذ هذه المبادرات والمشاريع بما يحقق مكاسب سريعة، ويُسهم في الوقت ذاته في استدامة العمليات الاتصالية وتعزيز أثرها على المدى البعيد؟

التعريف بالجهد المبذول والأثر المتوقع

يُقصد بالجهد المبذول مقدار ما تتطلبه المبادرة أو المشروع من وقت وموارد بشرية ومالية وتنظيمية وتقنية حتى ينتقل من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. ولا يقتصر تقدير الجهد على عدد ساعات العمل فحسب، بل يشمل كذلك درجة التعقيد، وحجم التنسيق بين الإدارات، والحاجة إلى الموافقات والإجراءات، ومدى توافر الأدوات والقدرات اللازمة للتنفيذ. ولذلك قد يكون المشروع مرتفع الجهد إذا استلزم بناء إجراءات جديدة، أو تدريب فرق العمل، أو تخصيص ميزانية إضافية، أو التعاقد مع مزودين خارجيين. ويساعد فهم الجهد المبذول على تكوين صورة واقعية عن كلفة التنفيذ وإمكاناته، بما يحد من التوسع في مبادرات يصعب تشغيلها أو استدامتها في المرحلة الحالية.

مثال على الجهد المبذول:

إذا قررت جهة ما إنشاء مركز اتصال يعمل على مدار الساعة لاستقبال استفسارات المستفيدين، فإن هذا القرار يُصنف ضمن المبادرات مرتفعة الجهد؛ لأنه يتطلب توظيف موظفين، وتدريبهم، وتوفير أنظمة تشغيل ومتابعة، ووضع إجراءات واضحة للتصعيد والرد، إلى جانب مراقبة الجودة وقياس الأداء بشكل مستمر. وعليه، فإن ارتفاع الجهد هنا لا يعني صعوبة الفكرة ذاتها، بل يعني أن تنفيذها يحتاج إلى استثمار ملموس في الموارد والتنظيم والمتابعة.

أما الأثر المتوقع، فيُقصد به مقدار القيمة أو المنفعة التي يُرجح أن تحققها المبادرة بعد تنفيذها، سواء على مستوى المستفيدين، أو كفاءة العمليات، أو السمعة المؤسسية، أو جودة الخدمات، أو تحقيق الأهداف الاستراتيجية. ويُقاس الأثر المتوقع بالنظر إلى حجم التحسن الذي يمكن أن تُحدثه المبادرة، ومدى اتساع الفئات المستفيدة منها، وسرعة انعكاس نتائجها، واستمرارية فائدتها على المدى المتوسط والبعيد. وقد يكون الأثر مرتفعًا إذا أسهمت المبادرة في حل مشكلة جوهرية، أو خفضت الشكاوى بصورة ملحوظة، أو حسنت تجربة المستفيدين بشكل مباشر، أو دعمت توجهًا استراتيجيًا مهمًا للمؤسسة. ومن هنا، فإن تقدير الأثر المتوقع يساعد متخذ القرار على التركيز على المبادرات التي تُحدث فرقًا حقيقيًا، لا تلك التي تبدو جيدة شكليًا فقط.

مثال على الأثر المتوقع:

إذا أطلقت جهة خدمية صفحة إلكترونية واضحة ومحدثة باستمرار للإجابة عن الأسئلة الأكثر شيوعًا، فقد يكون الجهد المطلوب لتنفيذها منخفضًا أو متوسطًا، لكن أثرها المتوقع قد يكون مرتفعًا؛ لأنها تقلل حجم الاستفسارات المتكررة، وتسرع وصول المستفيد إلى المعلومة الصحيحة، وتخفف الضغط على قنوات التواصل الأخرى. وفي هذه الحالة يظهر الأثر في تحسين تجربة المستفيد ورفع كفاءة الخدمة، حتى وإن كانت المبادرة بسيطة من حيث التنفيذ.

مثال: تطبيق نموذج مصفوفة تحديد الأولويات

أظهر تحليل البيانات التي جُمعت أن الهيئة بحاجة إلى مجموعة من الحلول الاتصالية التي من شأنها تعزيز البيئة الاتصالية ورفع كفاءتها، ويمكن عرض هذه الحلول على النحو الآتي:

1

رقم موحد لاستقبال الشكاوى والمقترحات
توجد حاجة مُلحة إلى تخصيص رقم موحد يتيح للمسافر التواصل المباشر مع الهيئة لتقديم الشكاوى والمقترحات والاستفسارات. ورغم أن تنفيذ هذا الحل يتطلب جهدًا مرتفعًا نظرًا لحاجته إلى كوادر بشرية وأدوات تشغيلية وإجراءات تنظيمية داعمة، فإن أثره المتوقع على تجربة المسافرين يُعد مرتفعًا أيضًا، لما يسهم به من تحسين سرعة الاستجابة وتعزيز كفاءة التواصل ومعالجة الملاحظات بصورة أكثر فاعلية.

2

بريد إلكتروني لاستقبال الشكاوى والمقترحات
ومن بين الحلول الأخرى الممكنة تخصيص بريد إلكتروني لاستقبال الشكاوى والمقترحات والرد عليها. ويُعد الجهد المطلوب لإنشاء هذا البريد وتشغيله منخفضًا نسبيًا، إلا أن أثره على الفئات المستهدفة يُصنف في المستوى المتوسط؛ إذ إن الاستجابة لاستفسارات المسافرين وشكاواهم عبر البريد الإلكتروني تستغرق وقتًا أطول، وقد تمتد إلى ساعة أو أكثر منذ لحظة استلام الشكوى.

وفي ضوء ما سبق، يتضح أن مصفوفة تحديد الأولويات ليست مجرد أداة تصنيف نظرية، بل وسيلة عملية تساعد صانع القرار على المفاضلة بين المبادرات الاتصالية وفقًا لمستوى الجهد المطلوب والأثر المتوقع. ومن خلال المثال المطروح، يظهر أن تخصيص بريد إلكتروني لاستقبال الشكاوى والمقترحات يُعد خيارًا مناسبًا للتنفيذ العاجل، نظرًا لانخفاض الجهد اللازم لتفعيله مقارنة بغيره من الحلول، مع قدرته على سد فجوة اتصالية مهمة في المدى القصير.

وعليه، فإن النجاح في إدارة المبادرات الاتصالية لا يعتمد فقط على اختيار الحلول الأكثر تأثيرًا، بل على حسن ترتيبها وتوقيت تنفيذها بما يحقق توازنًا بين المكاسب السريعة والأهداف بعيدة المدى. فكل مبادرة تُنفذ في الوقت المناسب، وبالجهد الملائم، تمثل خطوة واعية نحو بناء بيئة اتصالية أكثر كفاءة واستجابة واستدامة، وهو ما يجعل من هذا النموذج إطارًا عمليًا جديرًا بالاعتماد عند إعداد الخطط الاتصالية وتطويرها.

انشرها: